هناك أشخاص لا يغادرون الذاكرة، بل يتوقفون فقط عن إحداث الضجيج فيها. يبقون في مكان بعيد، مثل كتاب قرأته في عمر آخر؛ لا تفتحه منذ سنوات، ولا تفكر فيه كل يوم، لكنك تعرف مكانه على الرف، وتعرف أن بعض الجمل فيه ما زالت محفوظة فيك دون أن تتعمد حفظها.
كانت بيننا أحاديث طويلة، أطول من المسافة التي كانت تفصل بيننا يومها، وأقصر بكثير من المسافات التي ستأتي لاحقا. كنا نتحدث كما لو أن الكلام يستطيع أن يؤجل العالم. عن الكتب، وعن الناس، وعن الأشياء التي لا يملك المرء عادة شجاعة الحديث عنها إلا مع شخص يظن أنه يفهمه.
التقينا واستقبلت غربتي بعدها.
مدينة لا تعرفني.
لغة لا أعرف كيف أختبئ داخلها.
وجوه كثيرة لا تحمل لي أي ذاكرة.
وفي الغربة الأولى تحديدا، تصبح الأشياء الصغيرة أكبر من حجمها الحقيقي؛ لأن الإنسان يكون قد ترك خلفه كل الجدران التي كانت تسند قلبه من غير أن يشعر.
وبالرغم من ذلك كنت مصمما أن أحافظ على وصيتها، وأن أكون أعظم بكثير من أن أحلم أحلاما صغيرة.
ثم عرفت، بعد وقت ليس طويلا، أن في الحكاية شخصا آخر. لا أعرف متى بدأ حضوره بالضبط. ولم أعلم كيف استطاع التحايل على الأبواب الموصدة. ولا أعرف أين كنت أنا من ترتيب تلك الأيام.
كل ما قيل لي وقتها كان كافيا لأبتعد لأبعد مسافة تفصل بين شخصين في هذا الكون.
عشت حينها أقسى أوقات غربتي.. ولكني ابن الجنوب والكفاح هويتي.
تبدلت هي.
تبدلت البلاد.
وتبدلت الأسماء التي نناديها كل صباح.
دخل أشخاص إلى حياتنا وخرج آخرون. صارت لنا أيام لم يكن للآخر فيها مكان، وحكايات لم يشهد بداياتها. ومع ذلك بقي خيط رفيع، لا يكفي لإعادة شيء، ولا ينقطع بما يكفي ليصبح كل شيء غريبا.
وهذا، ربما، أغرب أنواع العلاقات: أن يصبح شخص ما بعيدا جدا عن حياتك، وقريبا جدا من ذاكرتك في الوقت نفسه.
ولعل أكثر ما يثير الشجن في الحكايات القديمة ليس أنها انتهت، بل أننا قد نكتشف بعد عمر أن كل واحد منا كان يعيش حكاية مختلفة داخل الحكاية نفسها.
أحدهما يتذكر الكلمات التي قيلت، والآخر يتذكر الكلمات التي لم يستطع قولها. أحدهما يحمل أثر الفعل، والآخر يحمل ندم النية. أحدهما ظل يسأل نفسه زمنا: لماذا لم أكن كافياً؟ والآخر احتاج سنوات حتى يستطيع أن يقول: لم تكن المسألة أنك لم تكن كافياً.
وبين السؤال والإجابة، يكون العمر قد فعل ما يفعله دائما: مضى.
للذاكرة فضيلة جميلة وخطيرة في آن واحد: إنها لا تحفظ ما حدث فقط، بل تحفظ أيضا حاجتنا إلى احتمال ما حدث. بعد تسع سنوات، نستطيع جميعا أن نجد الكلمات التي خانتنا ونحن أصغر.
ربما نستطيع أن نشرح خوفنا ببلاغة. أن نعطي لصمتنا أسماء أكثر رحمة. أن ننظر إلى النسخة القديمة منا ونقول:
لم أكن أقصد ذلك.
لم تكن تلك حقيقتي.
كنت خائفاً.
كنت مجروحاً.
لم أكن أعرف نفسي.
وبنفس الوقت، وبصوت أقرب للهمس، تقول:
أحببت، تزوجت، سافرت وأنجبت أطفالا.
وأما الشخص الآخر الذي عاش في الجهة المقابلة من تلك الكلمات، فهو أيضا كانت له حقيقة. فالحقيقة ليست دائما ما قصدناه.
الحقيقة هي أيضا ما تركناه في الآخر.
فلا أستطيع أن أطلب منه أن يمحو كل هذه الذكريات لمجرد أن تفسيرا أجمل ظهر بعد سنوات. ذلك الشخص لم يكن يملك ما أعرفه اليوم. لم يقرأ الهوامش التي أضيفت لاحقا إلى القصة. لقد عاش النص كما كتب أمامه آنذاك، ودفع ثمنه كاملا.
وسيكون ظلماً غريباً مركباً أن أعود إليه اليوم، بكل هذه الحكمة المتأخرة، وأقول له إن عليه ألا يصدق عينيه، وألا يصدق الكلمات التي سمعها، وألا يصدق ما جاء بعدها؛ لأن ثمة تفسيرا آخر لم يكن متاحا له وقتها.
ومع ذلك، لا أشعر بالغضب.
الغضب نفسه يشيخ.
وفي مرحلة ما، تتوقف عن الرغبة في الانتصار في حكاية انتهت منذ زمن. لا تريد اعتذاراً. ولا تفسيراً. ولا اعترافا بأنك كنت على حق.
تريد فقط أن تنظر إلى ذلك الجزء البعيد من حياتك دون أن تضطر إلى الكذب على نفسك بشأنه.
كان جميلاً
وكان مؤلماً
وهاتان حقيقتان تستطيعان العيش في الجملة نفسها.
دمتي بخير..
